السيد كمال الحيدري
50
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن
يترشَّح منه الكثير ، ومنه أنَّ من دأب على التحقيق والتحصيل ، وكان له مقصد معرفيّ فإنّه يُؤتاه ، حتّى وإن لم يكن صالحاً تقيّاً ، فإنَّ كرامة العلم أوسع دائرة من ذلك ، والمُعطي أكثر انفتاحاً من تصويرات عقولنا الضيّقة التي تُحدِّد عطاياه بتقديرات منّا لا بتقديرات منه ؛ قال تعالى : كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( الإسراء : 20 ) . إذن : فمن بحث وحقَّق في أمر ، وإن كان باطنيّاً ، يُؤتَه بقدره لا بقدر الواهب سبحانه ، فإنَّ فيضه وإمداده فوق مستوى الحدود والتقييد ، فضلًا عن المنع والشحّ في ذلك ، فمن كان قصده معنى ما وبذل جهده ولم تكن هنالك موانع أمامه ، سينال بغيته ، وذلك وعد منه سبحانه وفضل ؛ قال تعالى : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ . . . ( النحل : 9 ) . ولا ريب بأنَّ كلَّ مخلوق مُتوجِّه ذاتيّاً منذ بداية نشأته إلى كمال وجوده وغاية خلقه الذي فيه يكمن خيره وسعادته ، والإنسان أولى بذلك كلِّه ، حيث كماله المُيسَّر له وسعادته التي يسير باتّجاهها سواء بصورته الفرديّة أم الجماعيّة ، كما أنَّ الجاذبيّة الباطنيّة التي تدفعه باتّجاه السلوك المعنوي وفكِّ ألغازه وطلاسمه يجعله على مقربة وتماسّ مع الحقيقة التي تبحث عن مُريديها . وبذلك نخلص إلى أنَّ المعرفة الأسمائيّة والإشارات القرآنيّة والتعليم الإلهي والعيش مع روح القرآن علماً وعملًا ، والحركة الذاتيّة باتّجاه الكمال ، كلّ هذه الأوّليات تُساعدنا إلى حدٍّ كبير في إيجاد منفذٍ معرفيّ إلى المعاني الباطنيّة والتأويليّة للقرآن الكريم « 1 » .
--> ( 1 ) منطق فهم القرآن ، مصدر سابق : ج 3 ، ص 358 - 361 .